كل مهتم في قضية التنمية الشاملة لابد أن يتابع ويراقب ويدرس العديد من المكونات المؤثرة على التنمية ومدى أهميتها في تحديد المسار التنموي بهدف معالجة أوجه القصور ودعم وترسيخ أوجه النجاح والكفاءة . كذلك فإن دراسة مثل هذه المكونات يرتبط إرتباطا مهماً بالواقع المعاش فما صلح في الماضي ليس بالضرورة أن يصلح حالياً وماهو موجود حالياً لايعني مناسبته للمستقبل . هذه البديهيات المتعلقة بمفهوم التنمية الشاملة ينطلق من حقيقة راسخة وهي أن التنمية هي فعل ديناميكي (Dynamic) وليس فعل جامد (Static) .
ومن هذه البديهيات البسيطة فقد اهتم الكثيرون بدراسة وتأثير التعليم على إنجاز التنمية وتحقيق أهدافها . وقد دعت النظريات التنموية خلال العقود الماضية بضرورة نشر التعليم وأيدتها في ذلك المنظمات الدولية ورأت في ذلك منقذاً لكثير من المجتمعات من الفقر والتخلف. ولذا تم صرف الكثير من الأموال على نشر التعليم والقضاء على الأمية وأصبح عدد الطلبة وعدد المدارس مؤشراً مهماً لقياس معدل التنمية للدول . بل أن ذلك إنعكس بالضرورة على الأفراد فأصبحت العوائل تضع التعليم على قائمة إهتماماتها وأصبح الحصول على الشهادة طريق نجاة ومصدر فخر يقام له الأفراح .
ومن يقرأ تاريخنا السعودي يجد ذلك ظاهراً خاصة في الخمسينيات والستينات الميلادية لدرجة أن المدارس الليلية كانت ظاهرة للعيان والكل يحاول أن يحصل على ما فاته من تعليم حتى ولو كان موظفاً له مهنته ودخله. وهذا كان شيئاً جيداً في ذلك الوقت لأنه أدى بالضرورة إلى إرتفاع مكونين آخرين للتنمية هما الثقافة والوعي مهما كان ذلك بسيطاً أو محدوداً .
ومع إنتشار التعليم وتعدد مصادره وكثرة المتعلمين بدأت تظهر أسئلة جديدة تتعلق بمدى وكفاءة مكون الثقافة ومكون الوعي. حيث لاحظ بعض الدارسين خاصة في مجال التنمية الإجتماعية ظهور فجوة أخذت بالإتساع بين المتعلم والمثقف وبينهما وبين مستوى الوعي المطلوب لتحقيق التنمية الشاملة وتطور المجتمع لتحسين حياته ورفع معايير جودتها . لقد اتضح أن السلسلة التنموية الثلاثية (تعليم وثقافة ووعي) قد انفصمت عراها وأصبح الإعتماد على فرضية الترابط والتأثير المتبادل لثلاثي التنمية في غير محله ويجب إعادة دراسته وتقييمه وإصلاح إنحرافه . كل مراقب وباحث في مجال التنمية الشاملة أصبح وجلاً من واقع جديد قد يؤدي -لاقدر الله - على هدم كل ما تم عمله من إنجازات تنموية في السنوات الماضية .
ولكن قد يسأل سائل ماهي العلاقة المترابطة بين هذه الثلاثية التي عنونّا بها هذه المقالة؟ للإجابة على ذلك فإنني أقول أنه من الملاحظ وجود شخص يحمل شهادة علمية عالية لكنه يغرق في شبر ماء عندما يطلب رأيه ومرئياته في أمور المجتمع وتطوره ودفعه للأمام لأنه لاتتوفر له الأبعاد الثقافية والإطلاع الواسع في شؤون الحياة وفهم مجتمعه وكيفية معالجة نواقصه فتجده منظراً عالمياً بعيداً عن فهم الواقع المعاش .
مثال آخر يوضح مايهدف له هذا المقال فقد تجد متعلماً وعنده مستوى جيداً من الثقافة العامة ولكن ينقصه الوعي المطلوب في مجتمعه فتجده يقود سيارته في طريق رئيسي وجواله في أذنه وسيارته تترنح يميناً وشمالاً أو تجده لايهتم بالممتلكات العامة من طريق أو حديقة أو غيرهما . مثال آخر لفهم أهمية وضرورة تواجد ثلاثي التعليم والثقافة والوعي هو ما لمسناه في جائحة كورونا حيث كان المتحدث الرسمي لوزارة الصحة يعيد ويكرر أننا نعتمد على وعي المجتمع لإنجاح خطط وجهود الحكومة لمواجهة كورونا ولكننا كلنا نعرف أن البعض ( ولم نقل الكثيرين من باب اللطافة) كان يتعامل مع التعليمات من باب أنها أوامر حكومية تطبقها بقوة النظام وليس الوعي الذي يتطلب الإستيعاب بأن كل ماصدر هو لحماية الفرد الذي كان يجب أن يكون هو أكثر حرصاً من الجانب الأمني لتطبيق الضوابط وتنفيذ التعليمات .
وأمثلة ترابط التعليم والثقافة والوعي سلباً وإيجاباً سواء على المستوى الفردي أو الجمعي كثيرة يستطيع كل قارئ أن يضع منها ما يريد . ولكن المهم والذي تدعو له هذه المقالة هو هل التسلسل الترابطي للثالوث أعلاه مقنعاً لمسيري التنمية في المملكة؟ هل هنالك حاجة إلى وضع برامج وخطط واستراتيجيات تفعل الترابط المطلوب وتيسر متطلباته خاصة في مجال التعليم والذي يمكن أن يكون منطلقاً وأساساً لتحقيق المكونين الآخرين : الثقافة والوعي ؟
هذه المقالة (مثل غيرها من المقالات والأفكار) تهدف إلى رفع الراية وتعليق جرس الإنذار ومن المؤكد أن متخذي القرار والأجهزة المعنية (وقد يكونوا يقومون بذلك الآن) هم الأقدر فكراً وإمكانيات لتحقيق المطلوب ومعالجة الخلل إن وجد . إن الكتابة ولو كانت فردية فإنها تهدف إلى إشعال شمعة في النفق بدلاً من لعن الظلام وبالله التوفيق .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق